أحمد بن علي القلقشندي
16
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الحميّة ؛ من ملك أزمّة الأمور ، واقتدر على سياسة الجمهور ؛ وكان مطاعا فيما يرى ، متّبعا فيما يشاء ، يلي على الناس ولا يلون عليه ، ويقتصّ منهم ولا يقتصّون منه ؛ فإذا اطَّلع اللَّه منه على نقاء جيبه ، وطهارة ذيله ، وصحّة سريرته ، واستقامة سيرته ، أعانه على حفظ ما استحفظه ، وأنهضه بثقل ما حمّله ؛ وجعل له مخلصا من الشّبهة ومخرجا من الحيرة ، فقد قال تعالى : * ( ومَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً ويَرْزُقْه مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) * ( 1 ) . وقال عز من قال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِه ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) * ( 2 ) . وقال : * ( اتَّقُوا الله وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) * ( 3 ) إلى آي كثيرة حضّنا بها على أكرم الخلق ، وأسلم الطَّرق ، فالسعيد من نصبها إزاء ناظره ، والشقيّ من نبذها وراء ظهره ؛ وأشقى منه من بعث عليها وهو صادف عنها ، وأهاب إليها وهو بعيد منها ، وله ولأمثاله يقول اللَّه تعالى : * ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * ( 4 ) . وأمره أن يتخذ كتاب اللَّه إماما متّبعا ، وطريقا موقّعا ( 5 ) ؛ ويكثر من تلاوته إذا خلا بفكره ، ويملأ بتأمّله أرجاء صدره ؛ فيذهب معه فيما أباح وحظر ، ويقتدي به إذا نهى وأمر ، ويستبين ببيانه إذا استغلقت دونه المعضلات ، ويستضئ بمصابيحه إذا غمّ عليه في المشكلات ؛ فإنه عروة الإسلام الوثقى ، ومحجّته الوسطى ، ودليله المقنع ، وبرهانه المرشد ( 6 ) ، والكاشف لظلم الخطوب ، والشافي من مرض القلوب ، والهادي لمن ضلّ ، والمتلافي لمن زلّ ؛ فمن لهج ( 7 ) به فقد فاز وسلم ، ومن لهي عنه فقد خاب وندم ، قال اللَّه تعالى : * ( وإِنَّه لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيه الْباطِلُ ) *
--> ( 1 ) الطلاق / 2 - 3 . ( 2 ) آل عمران / 102 . ( 3 ) التوبة / 119 . ( 4 ) البقرة / 44 . ( 5 ) في مآثر الإنافة وفي الأصول : « متوقعا » . وفي اللسان : « طريق موقّع أي مذلل - على وزن معظم » . ( 6 ) في الرسائل « الأسطع » . ( 7 ) في مآثر الإنافة « نجا » .